ماني بنام، لو مَدّ لي طرف وسلام.

يا أهلًا وسهلًا.

تساءلتُ اليوم ما الذي يجعل اليوم سعيدًا؟

اعتدت دومًا قُبيل أن أنام أن أحكي لحبيبي عن يومي، رسالةٌ طويلة أُعَنْوِنها بـ”تقرير اليوم” ثم أبدأ بالسرد. لا أنتهي غالبًا إلا بضحكةٍ ساخرةٍ من داخلي تبدو وكأنها تقول: ” حقًا؟ لم يبدُ اليوم بهذا الطول عندما عشته!” لكن لا أكترث، إذ تبدو الأشياءُ، في الكلماتِ، دومًا أطول.

هل أخبرتك من قبل أن الكلمات بهاراتُ المشاعر؟ إذا كنتَ تريد أن تجعل لشعورك طَعمًا.. فقط اكتبه. قالت لي صديقةٌ على تويتر مرة: “أوقات أحس إن ريحتچ زنجبيل.” هل كانت صديقتي ذكية كفاية كي تشمّ البهارات في كلماتي؟ ولماذا الزنجبيل تحديدًا؟ سأؤجل التفكير في هذا غدًا عصرًا وأنا أزِنْ ملاعق الزنجبيل في القهوة.

عودة الآن للنَص: تقرير اليوم لم يكن طويلًا، كان مُوجَزًا جدًا وبمثابة الأخبار الصغيرة التي لا تعني أحدًا رغم أنني أعرف أن يومي، بل أيامي كلها، تعنيه؛ تعني حبيبي. حكيتُ بعباراتٍ قصيرة عن الصحو اللذيذ المبكر في العاشرة صباحًا، وحكيتُ عن الكوكيز المفضل مع القهوة العربية التي لا تكف عن التألق عند اكتمال العائلة، وحكيتُ عن الرحلة القصيرة المضحكة في بحثنا عن «الكَبَاث» وعن عودتنا سعداء رغم أننا لم نعثر على شجرةِ راكٍ مثمرة. حكيتُ عن كل ذلك، ولم أبدُ سعيدة. ولم يبدُ لي اليوم، وأنا أنظر إليه من بعيدٍ كمتفرّج، أنه يومٌ حلوٌ باستطاعتي أن أقول عنه أنه يوم سعيد.

تساءلتُ عندها ما الذي يجعل اليوم سعيدًا؟ البيت النظيف؟ صوت الحبيب؟ الأخبار السارّة؟ قصائد الجدّات؟ الأصدقاء؟ أصوات الأصدقاء وهم يخططون لجمعةٍ قادمة نُهدي فيها بعضًا الهدايا؟ أم هو شعورنا الداخلي إزاء كل هذا هو مَن يُدير بوصلة السعادة إلى شمالها الصحيح؟ وإذا كانت أحداث يومي كلها في غاية الوداعة، فما الذي يجعل مني غير صادقةٍ في إحساسي نحوها؟ هل لا بدّ أن يتّحد الحدث مع الشعور؟ ولماذا لا يتّحدان إن كانا قد ساهما في تكوين بعضهما؛ الحدث مسؤولٌ عن توليد الشعور، والشعور مسؤولٌ عن تكوين الحدث، لماذا ببساطةٍ إذن لا يستحمّان؟

هل قلتُ يستحمّان؟ معلِش، قصدتُ ينسجمان. ربما الحل إذن في الاستحمام غدًا.

هل أخبرتك من قبل أن الاستحمام يحفّز دماغ الإنسان على العطاء والإنجاز والمحبة والتفكير الإبداعي؟ حسنًا، هذه حقيقةٌ جماعيةٌ معروفة، بحث سريع على تويتر، وستجد الآلاف يخبرون بها. آهٍ على الاستحمام، ليت الحياة تشبه صوت الدّش وريحة الشامبو ونعومة الجسم بعد جل الاستحمام.


*هامش١: كان من المفترض أن يكون العنوان، وهو أغنية لطلال، ختامًا لهذه (البهارات) التي سأدعكم تكتشفون نكْهَتها، إذ أنني أردت أن أعلل كتابة هذا النَص بـ” وما دام به ليلٍ جديد، لا بد للعاشق سهر”. لكنّ أخًا استيقظ لتوّه فتح الدش مقررًا الاستحمام، فأتت رائحة الشامبو تكشف عن نهايةٍ أخرى.

*هامش٢: اقترحوا عليّ شامبوهات تكثّف الشعر پليز.🧴

فاصل هزلي.

يومها التفتت الفتاة إلى الشاب الأسمر النحيل الذي يقف على مقربةٍ منها حيث كانت تستطيع، وبدون جهدٍ مركّز، أن تتلصّص على هاتفه. الشاب الأسمر النحيل الذي يقف منتظرًا مثلها ولكن على نحوٍ أقل تململًا. الذي لا يبدو عليه الاستعجال لكنه، مثلها أيضًا، يتجمّد رعبًا في حضرة الانتظار. وحكَت له.

تجمّد الشاب رعبًا في حضرة الانتظار حتى أنه عندما التفتتْ إليه الفتاة، لتحكي له، بدا فاهيًا على نحوٍ مريب. تلك اللحظة من الصمت التي يحاول فيها أحدٌ ما بقلب دهاليز الذاكرة سريعًا، بحثًا عن وجهٍ يُطابق وجه المتحدّث الغريب الذي أمامه. لدقيقتين أو ثلاث، ظل الشاب فاهيًا. لمحَتْ محبةً غريبةً في عينيه، بريقٌ خافتٌ لحبٍ لم يبدُ وكأنه قد تجاوز مرحلة العواطف المندفعة. ولمحت في عينيه حنينًا. حنينٌ لا يمكن أن تراه دون أن تسمع صوت وردة، يأتي هادرًا من مكانٍ دافئٍ في الذاكرة، يغني: “حنين.. حنين.. حنين، أنا دايبة فيك حنين”. لكنك، في هذه الحالة، لا تسمع الصوت. لأن الحنين -في عينيّ الشاب- يبدو أغمق وأدكن من أن يُغنّى. لم تشعر الفتاة أنها فتاةٌ غريبةٌ عنه. بل أحست كما لو أنها حبيبته القديمة، قد تركتْ زوجًا وبيتًا وأتت إليه تُنشد وصلًا. أحسّت بعينيه تركعان لقلبه تُصليّان إليه أن لا ينهار. وأحسّت بقلبه، يستجيب في سرعةٍ مستدركة، إلى تلك الصلاة. كادت، وبعد أن أسقطَتْ نظرات الشاب عن منصّة صوتها الحكاية، أن تتراجع. أن تُرجع الحكاية إلى مربطها الوثيق في أحد أذرع الصمت. لكنها، وهي التي تتجمّد رعبًا في حضرة الانتظار، استطاعت أن تتحرّر بخفةٍ من الجليد، وتعود سريعًا إلى مركزها في اللعبة.

ساعدتها الحكاية. ساعدتها رغبتها في أن تحكي.

كان الشاب أسمرٌ ونحيل ولا يخلو من امتلاءٍ خفيفٍ في فخذيه. يقِف مُعتمدًا على رجلٍ واحدة بينما يدع الأخرى منحنيةً قليلًا للأمام ومسترخية. تخمن، أن تلك الرجل التي يستند بثقله عليها، هي رِجله الأقوى. التي يسدّد بها أهدافه عندما يلعب مع عيال الحارة والتي يفتح بها الباب حينما يكون محمّلًا بعشاء مناسبةٍ ما والتي لا يستخدم غيرها في القيادة. كان للشاب وقفةٌ قابلةٌ للتأويل. اليد التي لا تحمل إلا خاتمًا باهت اللون، كثير الشطوب، تُعلمك أنه لا يصوّر يداه وهو ممسكٌ بكوب قهوةٍ أنيق ويضعها على تويتر ولا يشارك في فعاليات تصوير الأيادي. ظهره المُعطى لمكائن القهوة المتنوعة المرصوصة خلفه، يخبرك، صراحةً لا ضمنًا، أنه لا يشرب إلا قهوة منزل مملوءة بالهيل والزنجبيل. ورأسه المحنيُّ إلى تحت، كما لو أنه تفّاحة نيوتن وهي في آخر مراحل سقوطها، يوشوش إليك سرًا أنه كاتب.

كان للشاب ظهرٌ له ميلانٌ مختلف. انحناءةٌ غريبة لا تراها إلا في مشهد السيدة دبلان عندما تقوم بتنظيف فوضى الجثث والدماء خلف السيد ردينغتون. هل كان ظهر الشاب مسرحًا لجريمةٍ ما؟ جريمة لم يرتكبها لكنها حدثت، أحدثتها الحياة، على ظهره؟ أم أنها تلك كلماته، وقد بدأ في كتابتها وهو واقف في صفِ انتظارٍ طويل، كي لا يتجمد رعبًا في حضرة الانتظار، قد أحدثت تلك الجريمة؟ هل كانت الجريمة هي كتابة الكلمات؟ أم أن الكلمات هنا هي السيدة دبلان؟ السيّدة الكلمة التي تجمع أحرفها لتنظّف من خلف الحياة جرائمها ومن خلفنا حماقتنا ومن خلف انتظاراتنا.. قلوبنا التي تكاد تتجمّد رعبًا.

لم يكن للشاب، رغم ما ملأه من كلماتٍ في ملاحظات هاتفه، أية حكاية. أرادت الفتاة أن تجعل من نفسها حكايته. أرادت أن تتقدّم إليه. أن تخبره، دون أن تثير فزعه بأنها قرأت من كلماته ما قرأت، عن الوجه الشرس من الكتابة. عن الكتابة القنّاصة، والكتابة التي تجيد اطلاق النار، والكتابة التي تُقبض على المشاعر، شعورًا شعورًا، كأنها Blacklist أخرى. لكنها، هي الفتاة نفسها، أبو طبيع آخر لا يجوز عن طبعه. إذ ها هي تعود، وبعد أن حصّنت صوتها جيدًا من أن يغويها سحر الحكاية، إلى منطقة الجليد. إلى تأرجحها الدائم بين نشوة الكلام، والتعبير، واللغة، وبين خوفها من براعة كل هؤلاء في اصطيادها. كانت الحكاية، في لسان الفتاة، محكومة، ومُحْكمة الكلمات. ميتنةٌ كأنها أم كل الحكاوي، ومغريةٌ كأن للحكاوي هِبات. رأت الطرق من أمامها وخلفها مفتوحة، ولم يكن باقٍ لها سوى أن تعلن بدء الرحلة، فتسير في جوفها الكلمات عاليةً وواضحة من عنبرها السحيق.. إلى ما يبدو أنه حريّتها المنشودة. تساءلَتْ كثيرًا عن مَن منا يتحرر بالآخر، الكلمات أم نحن؟ وتساءلت أكثر عن سجّان كلٍ منا إن كان كلانا يضيق ذرعًا بالآخر. وها هي الآن تعرف، من سرعة يدَيّ شابٍ يقف منتظرًا للساعة التاسعة كي يفتح البنك أبوابه، سرّ تلك المعادلة الغامضة.

هذه الكلمات كالفِخاخ المنصوبة سرًا أمام دِغل حيوانٍ هارب. تظن أنك الصيّاد وأن شعورك، الهائج في داخلك، الجارح بمخلبيه قلبك، سيخرج من دِغله الغامض يومًا إن نصبتَ له شِركًا من لغة. لكنك، وأنت الصيّاد، تقع في الفخ الذي نويت أن يُمسك حيوانك المنفلت، وتصبح، للأبد ربما، ضحية هذه الكلمات الحادة.

ورِجعتْ الحلواية.. بقلبها الحكاية.. ونامت على التكّايَة.. عم تحلم بالقمر. نامي يا حلواية.. نامي بكرة جاي.. جاي جاي جاي.. لِـ عنّا القمر.”

من شاطئٍ معزولٍ في كريت.

“تساقط المطر في اليوم التالي وامتزجتْ السماء بالأرض في رقةٍ لا حدود لها. تذكرتُ نقشًا هندوسيًا ضئيل البروز من الحجارة الرمادية القاتمة. كان النقش يصوّر رجلًا يطوّق امرأةً بذراعه، متوحدًا بها بكثيرٍ من العذوبة والاستسلام بشكلٍ يُحدث انطباعًا لدى المرء، بعد أن أتى الزمن على الجسدين وصقلهما، بأنه يرى حشرتين متعانقتيْن والمطر الناعم يتساقط عليهما. وبالشكل الحميم ذاته.. كانت الأرض تتشرّبه بلذةٍ وتمهل.

كنتُ أجلس أمام الكوخ وأراقب الأرض تُظِلم ولون البحر يميل إلى الأخضر الفوسفوري. لم ألمح أي شخصٍ من طرف الشاطئ إلى طرفه الآخر، لم ألمح شِراعًا ولا طائرًا. فقط كانت رائحة الأرض تدخل عبر النافذة المفتوحة.

نهضتُ ومددتُ يدي إلى المطر كشحّاذ. شعرتُ فجأةً برغبةٍ في البكاء. حزن ما، ليس حزني ولكنه أعمق وأكثر غموضًا، كان يتصاعد من الأرض الرطبة: الهلع ذاته الذي يشعر به حيوان مسالم إذ يحدّق فجأة، ورغم أنه لا يرى أي شيء، يرفع رأسه ويشمّ في الجو الذي حوله رائحة الوقوع في الفخ دون أن يستطيع الهرب.

أردتُ أن أطلق صرخةً، عارفًا أنها ستريح مشاعري، ولكنني خجلت من ذلك.

كانت السحب تزداد انخفاضًا. نظرتُ عبر النافذة، فإذا بقلبي ينبض برقة. أية رغبةٍ شهوانيةٍ في الحزن تستطيع أن تولّدها فيك تلك الساعات من المطر الخفيف. الذكريات المرّة كلها تصعد إلى السطح: فراق الأصدقاء، ابتسامات النساء التي انطفأت، الآمال التي فقدتْ أجنحتها كفراشةٍ لم تبقَ منها سوى الدودة. وتلك الدودة زحفتْ على ورقة قلبي وراحت تقضمها.

وشيئًا فشيئًا ظهرتْ صورة صديقي المنفيّ إلى القوقاز عبر المطر والتراب المشبع بالماء. تناولتُ قلمي، انحنيتُ فوق الورقة، وبدأتُ أتحدث معه كي أمزّق شبكة المطر وأتمكّن من التنفس.

صديقي العزيز:

أكتب إليك من شاطئٍ معزولٍ في كريت حيث اتفقتُ أنا والقدر على أن أمكث عدة أشهر لكي ألعب دور الرأسمالي. وإذا حالف النجاح لعبتي، فسأقول آنذاك إنها لم تكن لعبة، بل إنني اتخذت قرارًا وغيرتُ نمط حياتي.

تتذكر كيف دعوتني، وأنت تهمّ بالمغادرة، بالفأر قارض الورق. لقد أغاظني ذلك كثيرًا فقررتُ أن أهجر كتابتي على الورق لبعض الوقت -إلى الأبد- وأن أرمي بنفسي في حياة الفعل. استأجرت منجمًا يحتوي على الفحم الحجري، استأجرتُ عمّالًا وأحضرتُ معاول ومجارف ومصابيح الأسيتيلين، والسلال، والعجلات. فتحتُ أنفاقًا ودخلتُ فيها. فعلتُ هذا كله كي أغيظك. وبعد الحفر وشقِّ ممراتٍ في الأرض.. صار الفأر خُلدًا. آمل أن أحظى بموافقتك على هذا التحوّل.

إن متعي هنا عظيمة، لأنها بسيطة جدًا وتنبع من العناصر الأبدية: الجو النقي، الشمس، البحر ورغيف الحنطة. في المساء يجلس أمامي سندبادٌ بحريٌّ فائقٌ للعادة على الطريقة التركية ويتحدّث. وحين يتحدّث، يكبر العالم. وأحيانًا، حين لا تكفي الكلمات، يقفز ويرقص. وحين لا يكفي الرقص، يضع سنتوره على ركبتيه ويعزف.

يعزف أحيانًا لحنًا وحشيًا فتشعر بأنك تختنق لأنك تدرك على الفور أن حياتك بلا لون، بائسة، وغير جديرةٍ بالإنسان. وأحيانًا يعزف لحنًا كئيبًا فتشعر أن حياتك تعبر، وتنساب كالرمل من بين أصابعك، وأن الخلاص مجرّد وهم.

إن قلبي يتحرّك في صدري جيئةً وذهابًا كالمكّوك. فهو ينسج تلك الأشهر القليلة التي أمضيها في كريت وأنا أعتقد -وليسامحني الله- أنني سعيد.

يقول كونفوشيوس: “إن كثيرين ينشدون سعادةً أعلى من الإنسان، وينشد آخرون سعادةً أدنى منه. ولكن السعادة على مقاس الإنسان.” هذا صحيح. وخلاصته إذن أن لكل امرئٍ سعادةٌ على مقاسه. وهكذا هي يا طالبي ومعلّمي سعادتي اليوم. إنني أقيسها بقلق، ثم أقيسها ثانية، لأعرف تحديدًا منزلتي في هذه اللحظة. لأنك تعرف، تمام المعرفة، أن منزلة الإنسان متغيّرة على الدوام.

كيف تتحوّل روح الإنسان حسب المناخ، والصمت، والعزلة، أو الرفقة التي يعيش بينها!

فلا يبدو لي البشر حين أنظر إليهم من موقعي المنعزل كالنمل، بل على العكس، يبدون مثل وحوشٍ كاسرة، مثل ديناصورات، وزواحف مجنّحة، تعيش في جوٍ مشبعٍ بحمض الكربونيك وخضرةٍ كثيفةٍ متآكلة تشكّل منها الخلق. غابةٌ لا تُفهم، غابةٌ عبثية.

إن مفاهيم مثل “الأمم” و “السلالة” التي أنت مولعٌ بها. ومفهومَيْ “الأمة المتفوّقة” و “الإنسانية” اللذين أغرياني، يكتسبان هنا القيمة نفسها تحت النَفَس الكُليَّ القوةِ للدمار. نشعر أننا صعدنا إلى السطح كي نُطلق بعض المقاطع، وأحيانًا ليس مقاطع، وإنما مجرد أصواتٍ غير مصقولة: مثل آه ونعم! نُدمّر بعدها كليًا. وحتى الأفكار الأكثر سموًا، إذا شُرّحت، فإنها ستبدو مجرد دمى محشوّة بقشور النخالة، ويُعثر داخل القشور على نابضٍ مختف.

أنت تدرك جيدًا أن هذه التأملات القاسية، لا تستطيع أن تدفعني إلى الاستسلام. إنها، على النقيض من ذلك، مادةٌ سريعة الاشتعال لا بدّ منها لشعلتي الداخلية. وكما يقول معلمي بوذا فقد “رأيت” وبما أنني رأيت، وفي رفّة هدب، فقد حصلتُ على الرؤية. وفي رفّة هدب، تصالحتُ مع المخرج اللامرئي برغبةٍ ومرح. وأستطيع من الآن فصاعدًا أن ألعب دوري على الأرض إلى النهاية، بتماسكٍ ودون تثبيطٍ للهمة. وما دمتُ رأيت، فقد اشتركت أنا أيضًا في العمل الذي أمثّله على مسرح الله.

وهكذا، ماسحًا المسرح الكوني، أستطيع أن أشاهدك هناك، في تلك المعاقل الخيالية للقوقاز تلعب دورك أيضًا. أستطيع أن أراك وأنت تقاتل كي تنقذ آلاف الأشخاص من سلالتنا المعرّضين لخطر الموت. إنك برومثيوس آخر يجب أن يعاني من عذاباتٍ حقيقية وهو يقاتل القوى المظلمة للجوع والبرد والمرض والموت. ولكنك تغتبط أحيانًا، لما فيك من كبرياء، من أن قوى الدمار المظلمة عديدة ولا تُقهر. وهكذا، يصبح هدفك في أن تكون بلا أملٍ تقريبًا أكثر بطولة، وتكتسب روحك عظمة أكثر مأسَوية.

أكيد أنه يجب أن تعتبر الحياة التي تعيشها حياةً سعيدة. وبما أنك تعدّها هكذا، فهي كذلك. ولقد فصّلتَ سعادتك أيضًا على مقاس منزلتك. ومنزلتك الآن -شكرًا لله- أكبر من منزلتي. إن المعلم الجيد لا يرغب في مكافأةٍ أكبر من هذه: أن يكوّن طالبًا يتجاوزه.

بالنسبة إلي، أنا أنسى دومًا. أنتقص من نفسي، أفقد طريقي، وما إيماني غير فسيفساءٍ من عدم الإيمان. أشعر أحيانًا أنني يجب أن أعقد صفقة: أن أعيش لحظةً وجيزة وأمنح ما تبقّى من حياتي مقابلًا لها. ولكنك تُمسك الخوذة بقوةٍ ولا تنسى أبدًا، حتى في أعذب اللحظات، نحو أي جهةٍ قررتَ أن تمضي.”

مقال عن الانتظار.

” كان يقف على محطة القطار ينتظر الركوب عائدًا من حيث أتى، فأي عبثٍ مطالبته بتسجيل وقفته والحصول على بطاقةِ هويةٍ للانتظار؟” قلتُ هذا الكلام سابقًا في وصف عمي أبو الأمين. أعيد النظر فيه. ليس عبثًا أن نحصل على بطاقة هويةٍ للانتظار. ثم إن بطاقة الهوية دائمًا فيها اختصار، تلخيصٌ لحكايةٍ طويلةٍ عريضةٍ مركّبةٍ وممتدّةٍ وغير قابلةٍ للتلخيص، اختزال لا يكفي، ولكنه يشير.

الانتظار.

كلنا يعرف الانتظار.

أن تنتظر ساعة، يومًا أو يومين، شهرًا أو سنة أو ربما سنوات. تقول طالت، ولكنك تنتظر. كم يمكن أن تنتظر؟ حكَتْ لي مريم عن المرأة التي انتظرت زوجها عشرين عامًا. قلت لها احكي أكثر. قالت: “هذه حكاية معروفة في الأدب القديم. ذهب الرجل إلى الحرب. ودامت الحرب عشر سنين. وفي طريق عودته.. ضاع.” مَن الذي ضاع؟ سألْتُ. قالت اسم الرجل، اسمٌ غريب يصعب تذكره. قالت: “ضاع عشر سنينٍ أخرى، وبقيت الزوجة تنتظر. يحوم حولها الرجال، يرغبون فيها ويطلبونها للزواج، وهي تغزل على نولها، وفي الليل تنكث الغزل.” شدّتني الحكاية، ولكنني قلت لنفسي إن الحكاية ناقصة، ليس هكذا الانتظار، فهو ملازمٌ للحياة لا بديلٌ لها. تنتظر على محطة القطار، وتركب في الوقت نفسه قطارات تحملك شرقًا وغربًا وإلى الشمال والجنوب. تخلِّف أطفالًا وتكبِّرهم، تتعلّم وتنتقل إلى الوظيفة، تعشق أو تدفن موتاك، تعيد بناء بيتٍ تهدَّم على رأسك، أو تعمّر بيتًا جديدًا. تأخذك ألف تفصيلةٍ وأنت، وهذا هو العجيب، واقفٌ على المحطة تنتظر. ماذا تنتظر؟ ما الذي تنتظره رُقيّة على وجه التعيين؟

يرهقها التفكير، يرهقها تعيينه بالكلام. ولكنها تعرف أنها وهي تنتظر، خلَّفتْ ثلاثة أولاد. على المحطة.

يبحث الولد كَجروٍ وليدٍ مُغمض العينين عن حلمة الثدي، يعرف طريقه باللمس أو بالشم، يتعلّم الرضاع. يكبر قليلًا، يقبض بيده الصغيرة الناعمة إصبعها ويُغلق قبضته عليه. يبتسم. يحبو. يُزَغْدِم كالعصافير. يمشي. يكوّن جُملةً مفيدة، ثم ينطلق في الكلام. يركض. إلى المدرسة، إلى الجامعة، إلى المرأة، إلى بيت يخصّه وأولاد. يتبدّل المشهد كما في فيلمٍ يُجْمِلُ أعمارًا في ساعتين. رُقيّة دون الرابعة عشرة تتبعُ أمها في الطريق إلى صيدا بلا كلام. رُقيّة دون الخامسة عشرة يدخل بها أمين. رُقيّة في الرابعة والعشرين وراءها ثلاثة أولادٍ أصغرهم رضيع. مع أمين في بيروت. الأولاد في المدارس. الأولاد في الجامعات. في المظاهرة. خلف متراسٍ ويهددهم في المواجهة متراس. الأولاد في الطائرات. رُقيّة تجلس على السلم تحت القصف في بيروت، تنثني حتى يكاد رأسها يلمس الركبتين، تضمّ مريم التي هبطتْ عليها كأنما من السماء. نبدأ من جديد. مريم تحبو. مريم تمشي. تكوّن جُملةً مفيدة. تركض إلى المدرسة. إلى الجامعة.

حكاية غير قابلةٍ للتلخيص.

ثم ما موقع الخوف من وقفة الانتظار؟

الخوف المُضْمَر كمياهٍ جوفيةٍ مقيمة في الصحو والمنام، والخوف الصريح لحظة ترتجّ المدينة فجأة. دقائق، ثم تنتبه أن البناية التي تحوَّلت إلى ركامٍ يتصاعد منه اللهب والدخان، بصدفةٍ غير مفهومة، هي بناية الجيران لا البناية التي تسكن أنت فيها.

حكاية غير قابلةٍ للتلخيص.

كان الانتظار قائمًا بذاته، صحيح، أشبه بالأرض التي نقف عليها. ولكن ذلك الشيء الآخر أيضًا، كان دائمًا هناك. يُراكم نوايا تعلن عن نفسها فجأة، وإلا كيف أفسّر سلوك عمي أبو الأمين وما حدث بعد عام السبعة والستين، وذلك التغيير المفاجئ، في المخيّمات (هل كان مفاجئًا حقًا أم كان انتقالًا طبيعيًا إلى النتائج بعد المقدمات؟) التغيير الواضح في وجوه الصبايا والشباب، في نظرة العينين، في الوقفة والمشية واللفتة ومعنى المكان. ليت مريم هنا لأطلب منها أن تفصّل لي أكثر حكاية تلك المرأة التي انتظرتْ عشرين عامًا. بنيلوب. قالت لي إن اسمها بنيلوب. لا أحد ينكث غزله وإن بدا غير ذلك. لا أحد يتجمّد في فعل الانتظار.”

هذه التدوينة، والتدوينتان السابقتان، وربما تدويناتٌ غيرها قادمة، من كتاب الطنطورية، للقدّيسة الراحلة رضوى عاشور.

القفز.. هل يصنع حكيًا؟

” هل أحكي حياتي حقًا أم أقفز عنها؟ وهل يمكن أن يحكي شخصٌ ما حياته، فيتمكّن من استحضار كل تفاصيلها؟ قد يكون الأمر أقرب إلى الهبوط إلى منجمٍ في باطن الأرض، منجمٌ لا بدّ من حفره أولًا قبل التمكّن من النزول إليه. وهل بمقدور فردٍ مهما بلغ من قوةٍ ونشاط أن يحفر بيديه المفردتين منجمًا؟ المهمّة شاقّة تتولاها أيدي كثيرة وعقول وروافع وجرّافات ومعاول للحفر وأخشاب وحدائد ومصاعد تهبط إلى الباطن تحت أو تُعيد مَن نزلت به إلى ظاهر الأرض. منجمٌ عجيبٌ غريب، يتعيّن عليك النزول إليه مفردًا لأنه لا يخص سواك وإن وجدتَ فيه ما يخصّهم، ثم إنه قد يسقط فجأةً على رأسك، يُكسّرها أو يطمرك كاملًا بركامه.

وربما كان الأمر أشبه بصُرّةٍ لا منجم، ولكن هل يمكن أن يصرّ شخص ما حكايته في منديل ويمد به إلى الآخرين قائلًا: هذه حكايتي، نصيبي من الدنيا؟ ثم كيف تَنْقُل صُرّة بحجم الكف، أو صُرّة كبيرة كتلك التي تحملها النسوة على رؤوسهن وهن يشردن شرقًا عبر الجسر، حكاية عمرٍ بكامله؟ مشتبكٍ بطبيعة الحال مع أعمار الآخرين؟

لم أحكِ عن عمي أبو الأمين. لم أحكِ حكاية أمي في صيدا، ولا حكاية عزّ الدين. لم أحكِ حكاية حالي. حين حدّثني حسن عن مشروع كتابه الجديد، قلتُ له: لو كان جدك أبو الأمين على قيد الحياة لحكى لك ما يملأ مجلّدات. كان مع الثوار منذ الستّة والثلاثين، وتنقّل بين المدن والقرى. وكان مع المقاومة عامي ٤٧ و٤٨، وبعد أن أطلعونا من البلد عاد إليها تسللًا. لا أذكر كل التفاصيل ولكن أذكر الكثير مما قاله وبإمكاني أن أعيده عليك. قال: يهمّني أن أسمع منك ما حكاه لك جدي، لكنني أريد الآن شهادتك عن الخروج من البلد.

كان حسن يجمع شهادات أهالي قرى الساحل الفلسطيني، عن التهجير في عام ١٩٤٨.

لم يأخذ مني حسن في تلك الزيارة شاهدتي، ربما لأنه لاحظ أنني في اليوم التالي، واليوم الذي تلاه، أنني كنت شاحبة الوجه. لم أقل إنني أعاني من آلامٍ شديدةٍ في المعدة، تناولت مسكّنًا وتحاملت على نفسي حتى سافر. ودّعته في أمان الله ثم لزمت الفراش أسبوعًا. هل انهار على رأسي المنجم في تلك الليلة وأنا أستعيد بعض التفاصيل للإدلاء بشهادتي؟”

الفصل التاسع.

“تمضي الحياة كالقطار السريع يمرّ خطفًا، من مواليد يطلبون رضعة الثدي وتغيير القماط المبلّل وغسل مؤخراتهم، إلى أطفال يكوّنون جُملًا مفيدة ويقولون نعم ويقولون لا أكثر من نعم لأنهم يكتشفون إرادتهم وأنفسهم. ثم إذ بهم، في غمضة عين، صِبيةٌ يُقبلون على المرآة ويستعجلون الزغب يريدونه شاربًا ويعتنون بمظهرهم لأن صَبيّةً ما على الأبواب. أتابعهم، أتابع كل صغيرةٍ وكبيرةٍ وألف شيءٍ بينهما لأنني أريد… ما الذي كنتُ أريده؟ كنتُ معهم في القطار ولم أكن، لأنني ومنذ ذلك اليوم الذي أركبونا فيه الشاحنة ورأيت أبي وأخَوَي على الكوم، بقيت هناك لا أتحرك وإن بدا غير ذلك. ربما كنتُ أبالغ لأنني كنت أعرف، بشكلٍ غامضٍ وغير مُوعيٍ به تمامًا، أنني خارج القطار. وقد يراوغني التفسير ويكون السبب مختلفًا. يقولون: كنتِ صارمةً معنا. يقولون: كان أبي أحنّ علينا منك. أستغرب. أتساءل: ما الذي تفعله امرأة تشعر أنها بالصدفة، بالصدفة المحضة، بقيت على قيد الحياة؟ كيف تسلك في الدنيا إن كان وجودها، كل السنين والشهور والأيام الحلوة والمرّة التي عاشتها، فضلةَ حركةٍ عشوائيةٍ لقَدَرٍ غريب؟ كيف تسلك في الدنيا؟ تعي ضمنًا أو صراحةً أنها هناك، عارية من المنطق، لاستحالة إيجاد أية علاقةٍ بين السبب والنتيجة، أو للدقة.. استحالة فهم الأسباب حين تتساقط على رأسها نتائج لا تفهم نتائج ماذا، ولم تفعل أي شيءٍ ولم تعِ بعد أي شيء، لا لأنها صغيرة فحسب بل لأن وقوع السقف على رأسها كان نقطة البداية. فلماذا سقط السقف في الأول لا الآخر؟ ماذا تفعل؟ كيف تتعامل مع الدنيا؟ أقول: خياران لا ثالث لهما، إما أن يجتاحها حِسٌ عارمٌ بالعبث، لا فرق، تعيش اللحظة كما تكون وليكن ما يكون ما دام المعنى غائبًا والمنطق لا وجود له والضرورةُ وهمٌ من بِدع الخيال. أو تغدو، وهذا هو الاختيار الآخر، وقد وفّرها الزلزال، كأنها الإنسان الأخير على هذه الأرض، كأن مَن ذهبوا أورثوها حكايتهم لتعمّر الأرض باسمهم وباسم حكايتهم، أو كأنها تسعى في الدنيا وهم نصب عينيها ليرضوا عنها وعن البستان الصغير الذين حلموا ربما أن يزرعوه. تُصيبها حُمّى من نوعٍ غريب، حُمّى الزراعة، زراعةٌ عجيبةٌ خارج الأرض، لأن الأرض سُرقتْ، واستحالت الزراعة إلا في الحيّز المنزلي.

هل كنتُ أعي كل هذه الأمور وأنا أخرج من تحت الأنقاض؟

حين خرجتُ من تحت الأنقاض كان في العقل خَدَرٌ كما الخَدَرُ الذي في الجسم. حيوانٌ صغيرٌ خائف. فقط. بعدها، بوقتٍ قصير، رُحتُ ككل مخلوقات هذه الأرض، أسلك بما يضمن لي البقاء. أنا متأكدة أنني كنت أعي، وإن بشكلٍ مبهم، هذين الخيارين، حتى وإن لم أتمكّن من صياغة الأمر كلامًا كما أفعل الآن وأنا على مشارف السبعين قادرةً على النظر من فوق تلّة العمر، أكشف سَفْح التلّة، ثم خطوتان يمينًا أو يسارًا أو رجوعًا للخلف.. وأكشف السفح من الجانب الآخر والأراضي الممتدّة من القريب والبعيد. أعرف لأنني اخترت. واخترتُ رغم أنني كنتُ مذعورة حتى من يدٍ أرادتْ أن تربّت عليّ بحنوٍ أو تحملني إلى بر الأمان.

قَصَدَ عمي أن يطلب يدي لابنه أمين في وجودي.

لم أنبس بحرف. في الليل بكيت لا لأنني أريد يحيى فقد بدا بعيدًا وقد طوته الأيام مع ما طوت. حتى صورته وهو يخرج من البحر لم تعد تأتيني. بكيت دون أن أعرف سببًا لبكائي. ثم أتى أمين من بيروت وتم كَتْب الكتاب، وكان عمّي شاهدي على العقد. أعلنَ أمام الحضور: ” يا أمين أُعطيك ابنتي رُقيّة، ستكون زوجتك وأم أولادك، لكنها قبل ذلك وبعده، ابنتي وابنة أخي، يسهر عليها بدلًا من الشهيد الواحد، ثلاثة. فلتكن حبّة عينك كما هي حبّة عيني وحبّة عيونهم.”

مسح أمين على عينيه، ووقّع العقد.

سوف أركب القطار بلا جلبة، وسوف أبقى أيضًا خارجه. أُعطي أمين المتوقّع من زوجةٍ صالحة، الود والصغار واللُقمة والبيت النظيف، وأُعطيه نفسي في اللحظة الحميمية فازداد ارتباكًا لأنني، بعد كل لحظةٍ حميمية، سوف أتساءل: ماذا حدث؟ فيبدو لي هذا من طبائع الأمور. يُقبِل الرجل على امرأته، ثم يأخذها فتُسلم له نفسها، وربما تفاجئها متعةٌ لم تتوقعها ولا تدري من أين جاءت، فتزيدها ارتباكًا على ارتباك.

هل كان أمين مثلي خارج القطار وهو داخله؟ أم أن عمله كطبيب وفّر له قطارًا خاصًا يروّض الوحشة في روحه؟ لا أدري بل أتساءل أحيانًا إن كنتُ عرفتُ حقًا أمين. أتساءل: هل أعرف حقًا أمين؟ أعاشره، أقضي له حاجاته. تمتزج في وجوه أولادنا الثلاثة بعض من ملامحي وملامحه، وربما كنا نتشابه لأننا أولاد عم وأمي شقيقة أمه. وربما كما يحدث غالبًا للأزواج بعد طول العشرة، يمسي وجه كل وحركة جسده مرآةً للآخر. أمين طيّب، لم يسئ لي يومًا، يكتفي بالحديث الهادئ، ولو عاتب مرة كان العتب تلميحًا. لا عنف في المعاملة ولا شجار. هل هي وصيّة عمّي يوم زواجنا تُملي عليه هذه المعاملة، أم أنه يشفق على ابنة عمّه وقد صارت أم أولاده، يتيمةٌ ولا أخ لها تلجأ إليه إن جار زوجها عليها أو أهانها بالفعل أو بالكلام. حين يقول لي “أحبك” في اللحظة الحميمية، أو يقول باعتداد: “رُقيّة سِتّ الناس وأم الأولاد”، ويُقبّل يدي فجأة، يصيبني اضطرابٌ مفاجئ لأنني، وأنا أعرف كل شيءٍ عن أمين، لا أعرف أمين. أو ربما لا أعرف نفسي. لا أعرف ما تريده رُقيّة من هذه الحياة.

اختلَّ الميزان.”

هل نغنّي مثلما كنّا نغنّي؟

فارق الفترة الزمنية بين آخر تاريخٍ دوّنتُ فيه، والتاريخ الموجود على شاشة الهاتف، وثلاجة المطبخ، وأعلى قناة القرآن الكريم.. يرعبني.

مرت فترة طويلة لا يصلك لي فيها أي صوت، ولا تسمع لي فيها أية كلمات. هذا صوتي، قد أصمّه غيابك، أكاد لا أسمع له همسًا. هذه كلماتي، تفرّ من صوتي كلما هممت تركيبها. بعيدًا عني، بعيدًا عن مقدرتي، ونحو الأشياء التي لا أمتلكها. بسيطةً كما عهدتَها. قليلةً، ومتفككةً، كما أحببتَ منها أن تكون. غابتْ. وزيّك، أسرفَتْ في الغياب.

أعرف أن كتابة النصوص الطويلة تأخذ وقتًا لا أندم عليه ولا ألوم الحروف على سرقته. وأعرف، أكثر من أي أحد، أن الخروج من كل هذه التراكمات، بنَص لبقٍ واحد، أشبه ما يكون بخروج جنديٍ مهزومٍ في الحرب، بسنٍ واحدةٍ ونابين. يأمن بهما أكل التفاح، فاكهته التي يحب، عند الرجوع إلى حقله. كأنها -الكتابة- معادلة ٢+٢ =٥. معادلةٌ مغلوطة، تعطيك دائمًا نتيجةً زائدة. لكني نسيت كيف أرشي اللغة لتمنحني حروفًا مغلفة أكتب بها نصًا جيدًا. لا يشبه تغريدات ساذجة، ولا رسائل مختصرة، ولا كلامًا وهميًا ينكتب في عقلي وأنا أمضي يومًا شائكًا في سيارة أبو فريد. لا يشبه سوى نَص بديع، يخرج من حفنة الحسرات هذه.. كفوزٍ بسيط. ومن بين هذه المخاوف المحشورة.. كطمأنينةٍ بيضاء، تأخذ قلبي في حضنها كأي أمٍ مخلصةٍ في أمومتها تهدئ روع ابنها الخائف.

وددتُ عندما أحدثت الكلمات ضجّتها في داخلي أن تُجترّ من جذورها لأتخلّص منها مرّةً واحدة وللأبد. يجرّها الخوف، أو الإندفاع، أو الرغبة في عدم تحمّل المزيد. المهم أنّها تُجترّ من جذورها لأتخلّص منها مرةً واحدة وللأبد. لكنّها تنقطع من فمي كأنّما هي خيط، وصوتي المسكين سكّين. كان الكلام سهلًا عندما كنت أرتديه. أفتح دولاب الكلمات، وأتخيّر من الحروف ما هو على لون، ومقاس، قلبي. كنت أرتدي الكلمات بثقة مَن يرتدي كنزة صوفٍ في يوم تكون فيه الأرض “نهبًا للاحتراق.” كنت أكتب، اعتراضًا على الناس، وللناس، واشمئزازًا من صوتٍ ما في نفسي، ومحاولة صغيرة لانقاذ ما تبقى في قلبي من رضا. صارت محاولاتي في الكتابة ليست إلا جلسة باردة لعائلة منشقة عن بعضها. تحاول فيها الأم، تذكير أبنائها، بألفةٍ قديمةٍ حلوةٍ كانت بينهم. أكتب، مناجاةً للكلمات، مستغيثةً بهم، تاليةً عليهم ذكرياتنا التي كنّاها معًا.

سيأخذ هذا الكلام وقتًا طويلًا ليستجمع نفسه قبل أن تنتهي رغبتي بفعل ذلك. ستهرب الحروف منه أحيانًا لتعاود التدفّق بغزارةٍ في أحيانٍ أخرى. سيهدّد السرحان.. مناجاة الحروف المؤقتة، وسيبدو النَص في نهاية المطاف كلاجئ ترميه بلاده.

لقد حدث ما حدث، غابت الكلمات عن فمي طويلًا وقبل أن تعود.. أدركت تمامًا أي تصدّعات تتصدّعها الروح إثر هجران الكتابة. لن يبدو هذا النص كما بدت النصوص من قبله، ولا كما كان مخططًا له، عندما جلست، أن يكون. ستمر الحروف عليه باردةً وشاحبة تكوّن مع بعضها البعض.. كلماتًا محمومةً ولا مفهومة. لن تنتبه إلى أنه نَص إلا حين يخبرك وقتك كم من دقيقةٍ بطيئةٍ انسالت من ساعتك العمريّة وأنت تقرأ فيه. لن أنتبه أنا إلى أنه نَص.. إلا بعدما تشير لي حسرتي بأنه كذلك. سأصحو غدًا أُنشد كلماتي التي ماتت، والتي عاشت مريضةً وضائعة. سأضع مكياجي الهادئ الدائم وأجلس في آخر صفٍ من مقاعد الباص وأسمع عبادي يغني “على الميهاف” وحين سيصل إلى “على آخر تراب الأرض، أحس إن المسافة شبر، وكل الأرض.. ما تحمل تعب مشوار. أحس إني، رغم صغري، تفاهة عمر، وفي صدري ندم جبّار.” سأوقف الأغنية وأسأل حنان عن يومها أمس وعن توقعاتها ليومها اليوم مدعيةً أن السوالف هي مَن شغلني عن البكاء على صوت عبادي. سأحضر المحاضرات، وأهرول لاحقةً بين القاعة والأخرى، وحين تحين ساعة عودتي للبيت.. سأعود. أحمل معي كلماتي التي ماتت، والتي عاشت مريضةً وضائعة. أعود إلى البيت، إلى المطبخ، إلى كيّ الملابس، إلى المرآة القديمة عند المغسلة. لا شيء معي.. حتى الكلمات.

“دراما مركّبة”

يطول الكلام إن أردت شرح هذه الحالة، يطول حدّ أنّه لا ينتهي، تقصر الحروف عليه، فتبقيه عاريًا. لتأتي الجدّة ذو السبعة والسبعين عام ترفع صوتها وتولول: “قليلة حيا.”

مقام أوّل: انفلت الميزان. كان مقبولًا لو أن قلقًا كثرت مرّات ثورانه فعل. أو أن زمنًا سأم من وقوفي فيه قرّر كتصرّفٍ تجديديْ أن يحرّك كفّتيه فيختلّ. لكنّي أنا من أفلتُّ الميزان. أفلتُّ بملل متسابقٍ على خطّ البداية لم يسمع صافرة الحكم، فظنّ أنّها لم تنطلق بعد، وظلّ ينتظر شيئًا فات أوانه ولن يأتي مرّة أخرى. مرحبًا! أنا المتسابق، أنت صافرة الحكم، وكلامك ذاك خطّ البداية الذي عليه أقف. و ” انتظاري طال يا حلو التثنّي” متى تحلّ؟ قلتُ مرّة: سأنتظرك. قلتُ بعدها: الانتظار سيئ. ثمّ قرّرت بعدها أنّي سأنتظر، بيقين كامل أن الانتظار سيئ، وبجزعٍ أكبر هذه المرّة.. في أنّك لن تأتي. لكنّي أنصب قدماي على أعتاب محادثتك بنفس الطريقة التي ينصب فيها فلّاحٌ السياج حول حديقته. بهمّته تلك أقف. بنشاطه في كل يوم بأن يغرس أوتادًا جديدة أغرس أنا قدماي، أملًا في أن تعود.

مقام ثاني: التسرّب. تلك أمنيتي. أن أنساب من كلّ هذا تمامًا كما تنساب قطرات ماءٍ من حوض السباحة إن أردت تنظيفه. أن لا يأسف أحد عليّ إن ذهبت. أن لا يفقدني أحد لأنّني كالماء معوّد على البديل. أشباهي كثر ولا صعوبة في إيجاد آخر يقوم بدوري، وجوهي متكرّرة أينما حللتَ رأيتَ واحدًا منها، شخصيّتي متناسخة كلّما مددتَ يد التعارف لشخص غيري ستجدها بخوفها وقلقها وضحكها ومساعدتها المفرطة تستقبلك وتمدّ لك بدورها يدها. أمدُد يدي للتعارف. أقلق من العلاقات المتعدّدة، وأمدد يدي للتعارف. أحمل الأصدقاء على عاتقي كأيّ ذنب ثقيل لم أعتذر عنه، وأتبسّم.. وأمدد يدي للتعارف.

مقام ثالث: ما زلتُ أتكتّم عن الأمور المهمّة التي إن قيلت استمرّت تُقال لأيّامٍ عديدةٍ بعدها. لم أخبر أحدًا حتّى أمّي عن تورّم أيسر ظهري نتيجة إرتداء حمّالة الصدر. عدت -بصمتٍ- أشغل إسطوانة العلاج: أفرد الضماد، أقيسه بناظريّ، أقصّه بطريقةٍ منتظمةٍ وحافلة كما يقصّ مدير أعمالٍ شريطة شركته الحمراء عند إكتمال بنائها. المرهم البنّي أولًا، يليه الأبيض. لوحدي هذه المرّة دون أمّي وطبيبة هنديّة. سرًا أُخرج الأدوية، سرًا أذهب للحمّام، وسرًا أخلط المراهم وأرميها على ظهري. مَن يشعر بفتاة جوفها فاسد، أمراضها داخليّة، مشاكلها باطنة. كانت تنفثها عندما تنفث في كوب قهوةٍ طالت حرارته لعلّها تكتشف بذلك فائدة أخرى للزفير لم يتسنّى بعد للعلم اكتشافها. ولعلّها تتوّج بطلة. ولعلّها تجني أموالًا تدفع عنها صداع الحسابات وتدوين الفواتير.

مقام رابع: أنا من أهل القرية المجهولة يا عالم. الحديقة هي وادي جدّي الذي لا يحمله إليه عكّازه. والملاهي هي جلسة الأصحاب عند يوم العيد وبعد خروجي من المستشفى. والمطعم هو ما تقدّمه لك جارتك الجديدة وما يطبخه لك وافد مصريّ في قدر أسود. والنزهة هي السطح، والسطح هو النزهة. والحَمَام على سطح كل بيتٍ هو عرضنا المسرحي الممتع.

مقام خامس: اخبر الأصدقاء أنّي لا أفهم الحياة من المرّة الأولى ولا أستنبط حكمًا منها. ينقصني الكثير ممّا لا ألمّ به والظهور أمامهم لم يكن يستوجب الكمال أعرف، لكن نقصي لم يكن ليترك لي قدمًا أقف عليها معهم لنجترّ أقدامنا على ذات الطريق معًا. اخبرهم أنّي لا أملك ضوءًا أصفر أستعد ما إن أراه. أنّي محاطةٌ دائمًا بالأحمر، أنتظر عبور حشدٍ من المارّين أمامي. أنّي مزحومة، يبغاتني الضوء الأخضر في أحد لحظات شرودي الدائمة فجأة. يسطع بقوّة، في عينين اعتادت أن ترى البهوت يطال جميع الأشياء من حولها. يربكني سطوعه، أرتعش فانشغل بإرتعاشاتٍ أخرى لا تنتهي، وأنسى أن أسير.

مهزلة بالقرب من الزاوية.

شيء يشبه تغيير سجيّتك لأن خطوط العالم لا تتوافق معها ولا تقبل بها. يشبه الخذلان من المكيّف في يومٍ صيفيٍ حار. أو خذلان اللون الأزرق عند تلوين شفاه فتاةٍ تشبه ميلينا. لا تشبه الفتاة ميلينا. لكنّك أحببت الشفاه الزرقاء ومللت من الثلاثة الألوان الاعتياديّة التي تودعها حقيبتك الصغيرة في كل مرّة تخرج فيها من البيت. أو تخرج من محيطك راغبًا في النوم. كأنا بعض الأحيان، أستقبل النوم بشفاهٍ حمراء ورموشٍ طويلةٍ زرقاء. لأن النوم راحتك، وصوت أبيك ما كان كذلك، ولا ساعدتك الكتابة على ركل ما يجثو بثقلٍ على صدرك، أو أعطتك ثقتك مكانًا مرموقًا في قلب أحد، أو كافأك الانتظار بهديّة، يعوّضك فيها عن وقفةٍ طويلةٍ مؤلمة وقدمٍ متشقّقة وعظمٍ يتوجّع ووقتٍ فائتٍ من عمرك ضاع من الأقدار.

شيء يشبه الابتذال المتكرّر في ” شكرًا على اللطف، ممتنّة” أو في دائمًا ” آسفة عشانك، أعرف هذا.” ودائمًا لم كنت تعرف. دائمًا ما كان ” والله يا أمّي ما أعرف. هذا عمري وما أعرف. ما أعرف أتعلّم من جديد ولوّ أعرف.. ما كان شفتوني أكرّر شكلي من ثلاث سنوات.” وتمشي بسرعة تدخل بطّانيّتك وتبكي من جهلك مرّة، ومن تخييب ظنّ أمّك مرّة ثانية. لم تكن تعرف غير أن الورقة بلّلتها الدموع قبل أن تَقُصّ الصورة منها. وأن كاميرا هاتفك لا تلتقط إلّا أوراق شجرة الليمون في الساحة الأماميّة لبيت الجدّة علياء وعينيك التي ابتلعتها الهالات، أو القلق. لا تعرف غير أن ريحة صبغة شعر أختك تسبّب الصداع، أقوى درجةً من تأثير صوت الأطفال أو الأغاني على رأسك عندما تصاب بالزكام. لا تعرف سوى أن لقلقك دويّ موجع أشبه بانفجار. أن الحياة، على وسعها، لا تحتمل احتمالاتك. أن شرف المحاولة باعك، وصديقك قد ركنك في الهامش. أنّك حلٌّ بديلٌ لقضاء ليلة مع شخص نامت عنه حبيبته. لا تعرف أكثر من أن الفوضى بقدر ما تسكن العالم تسكن دولاب الملابس المتوسّط لخزانة كبيرة. وأنّك مهما رتّبت من محيطك لن يترتّب لا شيء من أفكارك وقلبك ومشاعرك ومخاوفك والعالم ومحادثة متلبّسة م… المخاوف تترتّب؟ لا أعرف، لا أظن، بحفّ حواجبي لو إي.

ومرّة بعد عشر، تكتشف فيها الضياع، بعد أن تغمرك المخاوف وتقصر عليك الخطوات. لتضيع في مساحةٍ لم يضع فيها أحد. وتخاف في المرّة العاشرة، من الوحدة في البيت ومن الضياع وأنت في البيت. تضيع في البيت على سريرك الذي وأنت صغير كانت أمّك تفتح فمك بعد كل غداءٍ وتنزل بقايا اللحم العالق في أسنانك. السرير الذي في عزّ مرضك أتى الأب وسلّمك هدية مع قبلةٍ في جبهتك لتقتنع – وأنت مريض – أن للقبلات على الجباه مذاق حلو ولذيذ، كما قرأت في الروايات وكما لمست في عين فتاة في فيلم ما. وأن المرض لا يعني الفقد بالاحساس، لأن شفاء، عندما تركت لك حريّة إغلاق المكيّف في ليلةٍ حارّة، كانت تلد في قلبك احساسًا بالرحمة.

شيء يشبه الاستمرارية الخاطئة. استمراريّتك في اكمال لعبة التصديق هذه وأنت تحفظ النهاية. استمراريّتك في رفض كوب القهوة لأن الشبع أصغر من ترفك. استمراريّتك في الكتابة ورأسك على حافّة خشبٍ قاس. استمراريّتك في نطق الحروف بطريقةٍ فادحةٍ ومخجلة، رغم الجدال العائليّ حول الموضوع، رغم تفويت محادثةٍ صوتيّةٍ مع صديقة صوتها عذبٌ وحلو. رغم تمزيق قصائد خطفت أنفاسك لكي لا تخطف جماليّتها غلطتك الدائمة في النطق.

شيء يشبه ادّعاء النسيان بأن لقلبك فجوة عملاقة، وأن في ظهرك بقايا من غضب أب. لأن اليقين بكل هذا يعني يقينك بأنّك بالٍ كسلعة تالفة، وأنت لا تحبّ السلع. السلع تعني شيءٌ واحد، هي معنى للانفاق. وأن لفقرك هنا معنى، هو الكره للسلع.

شيء يشبه الخيالات الحادّة. الخيال بأن الثعبان لم يُقتل، وأنه باقٍ تحتك ملتفّ حول إحدى أرجل سرير نومك. الخيال الحالم في كونك ذو حظّ عظيم، ومتّزنٌ تتقن فنون التواصل. الخيال المرتجل في أن تقبّل خدّ شخصٍ لا تعرفه لأنّه أعطاك أغنيةً حلوة وسبقها بكلامٍ حلو. الخيال المخيف في أن يحترق منزل زوجة أبيك ويموت أنس، لا تسعفه عندها سرعة أمّه. الخيال المستمرّ في أن صداعك المتكرّر نتيجة لإصابتك بالسرطان، وأن قدمك يومًا ستبترها الأنيميا، وأنّك قويّ خلاف ما تشعرك به الهزائم والمحادثات والأغاني.

شيء يشبه المخاوف المتواترة المنبثقة من العدم. المخاوف التي تغيّرك من كائنٍ يطمح بالعيش، لآخر يحلم بأن يكمل اليوم بوتيرة سعادة تحفظ له إشراقة وجهه. المخاوف التي لا تُبقي فيك شيئًا، فيصبح ذاك الذي لا يعرف عنك غير تغريدات تكتبها بعجلة يوميّة.. يحفظ أماكن سباتها، ويستطيع بكل خفّة أن يوقظها عليك وأنت تطبخ لأمّك المريضة. المخاوف.. السهم السام الذي تقذفه الظنون في قلبك. لكن الظنون هنا لم تكن الصيّاد الوحيد الجائع -لأنّك تعلم- كم يكون القلب المرتجف دائمًا فريسة سهلة ومغرية للجميع.

شيء يشبه أن تكسر القواعد. كأن تنام ومنتصفك مكوي بجمرة قلق. وتبتسم وفمك محشوّ بخوف طافح. وتنتهي والبداية ما انتصفت بعد. يشبه الانطفاء في النّهار، والموت في خضم الحياة، والغربة في غرفة أمّك، والمواصلة الدؤوبة للعيش وفيك من اليأس ما يغطّي كوكبًا.

شيء غريب مؤقت. يشبه الشعور بالعطش في الساعة الواحدة صباحًا، والإغماءة القصيرة التي زارتك وأنت تمرّ الصالة. يشبه الإبتسامة الغبّية لأسامة عندها، وفيضان الهلع الذي يقتلع رغبتك بالشرب ويعيدك لقبرك في الغرفة. شيء يشبه البكاء بقوّة تحت بطّانيّة حمراء. يشبه فرك حاجبك حرجًا عند كلّ مرّة تنطلق فيها بالكلام مع غريب لم يعتاد على انكسار أحرفك بعد. يشبه الاختباء خلف طاولة الطعام كلّما عرّيت أقدامك لتذيقها حرارة الماء تنكيلًا بها. يشبه العبث في إبهاك بلسانك بحيرة بعد ” حرام.. لا تقولين عن ولدي مجنون” كان حرام؟ على مين الغلط أصلًا كان؟

شيء أخير، يشبه القطعة المفقودة من لعبة الـpuzzle التي بدونها لا تكتمل الصورة. يشبه الغياب المتكرّر لحضور حفلة فرح. والاصرار الدائم على حضور مرارة فاخرة. يشبه التظاهر بالعمى لأن المشهد يصوّر انتهاء قلبك. يشبه أن يغتالك القلق، فتعرج في مشيك مرّات عديدة، حتّى يقودك العرج لحادث تصادميّ. فتتيقّن جازمًا أنّك أعرج النطق والخطوات والعلاقات والحياة. يشبه أن تفعل ما تتيح لك شجاعتك بفعله للاكمال، لرسم عيشٍ واقعيٍّ يُحيي لك راحتك المؤودة. وتكتشف، بعد ما يقارب ثمانية عشر سنة، أن لا شيء -على الإطلاق- كان في مكانه الصحيح.